عمر فروخ
355
تاريخ الأدب العربي
الناس أو بين الخيل ) ومن اللّعب بالنّرد والشّطرنج . بعدئذ خرج الشبّان إلى لهو غير بريء من الشّراب والفساد . وبما أنّ الفساد عادة من توابع استبحار الحضارة فقد عمّ ذلك الفساد مدنا كثيرة في الإمبراطورية الاسلامية . الجيل الجديد من المولّدين إن الاسلام والفتح الاسلامي قد جعلا العرب يحتكون بأمم غير عربية . أحبّ العرب في هذا الاحتكاك الجمال الغريب فتزوّج العرب بغير العربيات فنشأ بذلك جيل مولّد بين العرب وغير العرب . هذا الجيل الجديد كان أكثر إمعانا في اللّهوين من الجيل العربي الأول . ثم كثرت الجواري أيضا وشاعت المجالس التي يجتمع فيها الناس كلّهم وحدث السّفور ( بروز النساء في المجالس ومجاراة الرجال في النّزه والغناء ) . ثم حدثت الألفة وأصبح النساء يرغبن في أن يذكرهنّ الشعراء في الشعر ، فكان ذلك بابا جديدا في اللهو لم يكن في أكثر الأحوال بريئا . وتطوّر الغناء في تلك المجالس والمواسم تطوّرا بارزا لمّا دخله أشياء كثار من الفن الفارسيّ وأشياء قليلة من الفن الرومي . وكان حظ الحجاز من هذا التطوّر في الغناء عظيما جدّا : لقد كان الحجاز بيئة هذا التطوّر ، وكان أهل الحجاز صنّاع هذا التطوّر . الحركة العلمية والفقهية لم يقتصر التّطوّر في البيئة العربية على جانب واحد من الحياة الاجتماعية ، فقد تطوّرت تلك الحياة في جوانب أخرى : لقد كان للّغة والنحو والأدب وللفقه والطبّ ولعلم الكلام ( وعلم الكلام هو الدّفاع عن العقائد الدينية بالأدلّة العقلية ) نصيب من ذلك التطوّر كبير . وكذلك اتّسعت الحياة السياسية في جانبها النظري في تخريج الآراء في صحة الخلافة وشروط الحكم ، وفي جانبها العمليّ من قيام الأحزاب والنزاع في سبيل نصرة مبادئ تلك الأحزاب إمّا في مجالس العلم بالجدال أو في ميادين الحرب بالقتال . ولقد سبقت الإشارة إلى أهل السّنّة وإلى الشيعة وإلى الخوارج وإلى المرجئة . ولا بدّ هنا من الإشارة إلى